6.3 مليارات دولار من الأصول الرقمية أصبحت محور واحدة من أكبر عمليات الاختراق التي شهدها قطاع العملات المشفرة، بعدما استهدفت مجموعة قرصنة منصة بينانس، أكبر منصات التداول الرقمي في العالم. وبينما سارعت الشركة إلى تجميد مليارات الدولارات والتعهد بتغطية الخسائر، تحولت الحادثة إلى اختبار حقيقي لثقة المستثمرين في أمن منصات التداول، وسط اتهامات أميركية لكوريا الشمالية ونفي من بيونغ يانغ.

ماذا حدث في اختراق بينانس؟
وقعت عملية الاختراق في 29 أكتوبر 2026، واستهدفت أصولاً رقمية تتجاوز قيمتها 6 مليارات دولار، وقدرت تقارير متعددة إجمالي الأصول المتضررة بنحو 6.3 مليارات دولار. وأظهرت التحقيقات الأولية التي أعلنتها بينانس أن المهاجمين تمكنوا من استغلال حاسوب محمول لأحد المهندسين، للوصول إلى حاوية الخدمة وتنفيذ عمليات سحب غير مصرح بها.
لم يكن حجم السرقة وحده سبب الاهتمام العالمي، بل الطريقة التي تحركت بها الأموال بعد الاختراق. فبحسب شركة متخصصة في تحليل تقنية البلوك تشين، نقل المهاجمون معظم الأصول خلال نحو 20 دقيقة، في محاولة لتفادي تجميدها. كما رصد مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي تحركات لتحويل الأموال المسروقة إلى عملة إيثريوم، تمهيداً لغسلها عبر منصات وخدمات مالية رقمية.
وفي المقابل، تحركت بينانس بالتعاون مع شركات متخصصة وفرق فنية لتحديد الأصول المتضررة وتعقبها. وأعلنت تجميد أكثر من 3 مليارات دولار، بينما تحدثت تقارير لاحقة عن استعادة أو احتواء نحو 90% من تداعيات الاختراق. ويمكن متابعة تفاصيل الحادثة في تقرير بي بي سي عن اختراق بينانس.
أبرز تفاصيل الهجوم والأساليب المستخدمة
تشير المعلومات المنشورة إلى أن التحقيقات الأميركية نسبت الهجوم إلى مجموعة «تريدر ترايتور»، وهي خلية قرصنة كورية شمالية مرتبطة بشبكة «لازاروس» المعروفة بعملياتها الإلكترونية. وتقول السلطات الأميركية إن المجموعة تمتلك قدرات متقدمة في استهداف منصات العملات المشفرة وسرقة الأصول الرقمية.

ومن الأساليب التي نُسبت إلى المجموعة انتحال صفة مسؤولي التوظيف للتواصل مع موظفي شركات العملات المشفرة، ثم إرسال ملفات تحتوي على برمجيات خبيثة. وفي إحدى الحالات التي تناولتها التقارير، تواصل قرصان مع موظف عبر منصة لينكد إن مدعياً أنه مسؤول توظيف، قبل أن يؤدي الملف المرسل إلى سرقة بيانات الموظف وانتحال شخصيته.
ولا تقتصر الاتهامات المرتبطة بالمجموعة على حادثة بينانس. فقد نُسبت إليها سرقة نحو 620 مليون دولار من شبكة رونين في عام 2022، كما اتُهمت بالاستيلاء على نحو 308 ملايين دولار من منصة يابانية في مايو 2024، إضافة إلى عملية استهدفت منصة بايبت بقيمة تقارب 1.5 مليار دولار في فبراير 2025.
- البلوك تشين
- تقنية لتسجيل المعاملات الرقمية والتحقق منها عبر شبكة موزعة.
- غسل العملات المشفرة
- تحريك الأصول الرقمية عبر خدمات وعمليات متعددة لإخفاء مصدرها.
- تريدر ترايتور
- اسم مجموعة قرصنة اتهمتها السلطات الأميركية باستهداف منصات العملات المشفرة.
وترى التقارير أن هذه العمليات توفر لكوريا الشمالية مصدراً للأموال خارج القنوات المصرفية التقليدية، في ظل العقوبات الدولية المفروضة عليها. وذكر تقرير للأمم المتحدة أن عائدات الهجمات الإلكترونية ساهمت، بحسب بعض المصادر، في تمويل تطوير أسلحة الدمار الشامل.
التعويضات واستئناف عمليات السحب
تعهدت بينانس بتحمل الأثر المالي الكامل للحادثة، وأعلنت تخصيص أكثر من 6.34 مليارات دولار من أموال الشركة لتغطية الخسائر. كما قالت إنها استخدمت أموالها لشراء رموز رقمية بهدف تعويض نحو 90% من الأصول المسروقة، موضحة أن النسبة المتبقية البالغة 10% أقل سيولة وقد تحتاج إلى وقت أطول لتوفيرها بالكميات المطلوبة.

وأوقفت المنصة عمليات السحب مؤقتاً عقب الهجوم، قبل أن تبدأ استئنافها تدريجياً يوم الأحد. وأوضحت أنها تعطي الأولوية للوحدات الرقمية وفق بيانات طلبات المستخدمين السابقة، مع احتمال حدوث تأخيرات وفترات انتظار أطول بسبب حجم المعاملات.
ووفق البيانات التي نقلتها يورونيوز، عالجت المنصة عمليات سحب بقيمة 4.65 مليارات دولار وإيداعات بقيمة 1.01 مليار دولار خلال الفترة المعلنة، ليصل صافي التدفقات الخارجة إلى 3.64 مليارات دولار، بما يعادل نحو 2.1% من إجمالي الأصول التي تديرها الشركة. وتوضح هذه الأرقام أن استئناف الخدمة لم يمنع بعض العملاء من نقل أموالهم إلى خارج المنصة.
وتضم بينانس، وفق تقرير مونت كارلو الدولية، نحو 335 مليون مستخدم. وأكدت الشركة أن أموال العملاء آمنة وأنها ستتحمل الخسائر بدلاً منهم، وهو تعهد يضع قدرتها المالية وسرعة استجابتها تحت اختبار المستثمرين.
كيف تأثرت بينانس مقارنة بالاختراقات السابقة؟
تجاوزت قيمة الحادثة الجديدة الرقم القياسي السابق الذي ارتبط بسرقة نحو 1.5 مليار دولار من منصة بايبت في عام 2025. ويعني الفارق أن حجم الأصول المتضررة في اختراق بينانس يزيد بأكثر من أربعة أضعاف على العملية السابقة، ما يعكس حجم المخاطر التي يمكن أن تواجه منصات التداول الكبرى.
وانعكس الخبر سريعاً على سوق العملات المشفرة. فقد تراجعت بيتكوين بنحو 5%، وانخفضت إيثريوم بنحو 6%، بينما فقدت عملة بينانس الرقمية «بي إن بي» قرابة 10% وفق بيانات يورونيوز. وذكر خبير العملات المشفرة عبدالله مشاط، في مقابلة مع العربية للأعمال، أن تراجع بيتكوين تراوح بين 4% و6%، وهو أقل من خسائر تجاوزت 10% شهدتها الأسواق خلال أزمات سابقة.
ويرتبط اختلاف رد الفعل بسرعة إعلان المنصة عن الحادثة والإجراءات التي اتخذتها، بحسب مشاط، الذي أشار إلى أن التواصل مع مكتب التحقيقات الفيدرالي واحتواء الموقف خلال أقل من 45 دقيقة من الكشف عن الاختراق ساهما في الحد من تداعياته.
ما الذي ينبغي أن يعرفه مستخدمو العملات المشفرة؟
بالنسبة للمستثمرين في السعودية وبقية الأسواق، تقدم الحادثة تذكيراً بأن امتلاك العملات المشفرة عبر منصة تداول لا يلغي مخاطر الاختراق أو توقف عمليات السحب. كما أن تعهد الشركة بالتعويض لا يعني بالضرورة أن جميع العمليات ستعود فوراً إلى طبيعتها، خصوصاً عندما تكون بعض الأصول أقل سيولة أو تخضع لإجراءات تتبع وتجميد.
ومن المهم التمييز بين الاتهامات والحقائق المثبتة في هذه القضية. فقد أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي مسؤوليته عن تحديد المجموعة الكورية الشمالية المشتبه بها، بينما نفت بيونغ يانغ الاتهامات. وقالت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي، إن الاتهام يمثل استفزازاً سياسياً خطيراً ومحاولة للإضرار بسمعة بلادها. كما أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن عدم تأكده من مسؤولية كوريا الشمالية، رغم قوله إن السلطات تتابع القضية.
وعملياً، ينبغي للمستخدم متابعة الإعلانات الرسمية المتعلقة بالسحب والإيداع، والتحقق من سلامة حسابه ووسائل المصادقة، وعدم الاستجابة لرسائل تدعي تقديم تعويضات أو استرداد الأموال خارج القنوات الرسمية. وتزداد أهمية الحذر من الملفات والروابط التي تصل عبر منصات التواصل، خاصة أن أساليب انتحال صفة مسؤولي التوظيف ظهرت في عمليات قرصنة سابقة نُسبت إلى المجموعة نفسها.
وتظل القضية اختباراً مهماً لصناعة العملات المشفرة: فالثقة لا تعتمد فقط على حجم التداول وعدد المستخدمين، بل أيضاً على قدرة المنصات على حماية الأصول، والإفصاح السريع عن الحوادث، وإثبات قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية.
أسئلة شائعة حول اختراق بينانس
كم بلغت قيمة الأموال المسروقة من بينانس؟
بلغت قيمة الأصول الرقمية المتضررة نحو 6.3 مليارات دولار، في عملية وصفت بأنها الأكبر من نوعها في تاريخ منصات العملات المشفرة.
من المسؤول عن اختراق منصة بينانس؟
نسب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي الهجوم إلى مجموعة تريدر ترايتور المرتبطة بكوريا الشمالية، بينما نفت بيونغ يانغ الاتهامات.
هل ستعوض بينانس المستخدمين عن الأموال المسروقة؟
تعهدت بينانس بتغطية الأثر المالي الكامل للحادثة من أموال الشركة، وأعلنت تخصيص أكثر من 6.34 مليارات دولار لهذا الغرض.
هل عادت عمليات السحب في بينانس؟
بدأت المنصة استئناف عمليات السحب تدريجياً يوم الأحد، مع احتمال حدوث تأخيرات بسبب حجم المعاملات والإجراءات المرتبطة بالحادثة.
كيف تأثرت أسعار العملات المشفرة بالاختراق؟
تراجعت بيتكوين بنحو 5% وإيثريوم بنحو 6%، بينما انخفضت عملة بينانس الرقمية بنحو 10% عقب انتشار خبر الاختراق.
