تونس تراهن على ماء غير تقليدي لإنقاذ صيفها ومستقبلها حتى 2050
74.5 مليار دينار ليست رقماً في موازنة عابرة، بل كلفة خطة مائية تمتد حتى 2050 في تونس. الرقم يكشف حجم الضغط على بلد يواجه جفافاً ممتداً وارتفاعاً في درجات الحرارة وتزايداً في الطلب على مياه الشرب والري. خلف القرار الحكومي قصة أوسع: الماء لم يعد ملف خدمات فقط، بل صار جزءاً من الأمن الغذائي والسيادة الوطنية.
في مجلس وزاري مضيّق عُقد بقصر الحكومة بالقصبة يوم الثلاثاء 9 جوان 2026، وُضعت على الطاولة إجراءات عاجلة لصيف 2026، إلى جانب خريطة طويلة المدى لإصلاح منظومة المياه. الرسالة المباشرة للمواطنين كانت واضحة: تقليل الانقطاعات، تحسين الشبكات، وتوسيع مصادر المياه بعيداً عن الاعتماد التقليدي على السدود والآبار وحدها.

ما الذي تغيّر؟
- الحكومة أقرت برنامجاً عاجلاً يضم 81 مشروعاً لتأمين ماء الشرب خلال صيف 2026.
- الخطة طويلة المدى تشمل 43 برنامجاً و1200 إجراء باستثمارات تقدر بنحو 74.5 مليار دينار.
- 53% من الاستثمارات ستذهب إلى المياه غير التقليدية، مثل المياه المعالجة والتحلية وحصاد الأمطار.
- سيتم تسريع إنجاز 187 منظومة مائية لفائدة نحو 248 ألف ساكن.
- الخطة تربط المياه بالطاقة عبر إنتاج 225 ميغاواط من الطاقة الشمسية لتقليل كلفة تشغيل محطات الضخ والشبكات.
تفاصيل المشهد
بدأ التحرك من سؤال عملي: كيف يمكن تفادي انقطاعات الماء في صيف 2026؟ لذلك ركز البرنامج العاجل على نقاط الضعف في المنظومة؛ آبار تحتاج إلى حفر وربط، محطات ضخ تحتاج إلى صيانة، وشبكات توزيع تحتاج إلى تجديد. البرنامج يضم 81 مشروعاً، منها 35 مشروعاً متواصلاً بكلفة تقارب 58 مليون دينار.
التدخلات ليست كلها في اتجاه واحد. هناك حفر وربط 38 بئراً عميقة لدعم الموارد، وصيانة وتجديد 26 محطة ضخ، والتدخل في 22 مشروعاً لتدعيم الشبكات. معنى ذلك أن الحكومة لا تعالج نقص المياه من المنبع فقط، بل تحاول أيضاً تقليل الفاقد في الطريق بين مصدر المياه وحنفية البيت.

على مستوى المناطق الريفية، قررت الحكومة تسريع إنجاز 187 منظومة مائية بكلفة 147 مليون دينار. هذه المنظومات تستهدف نحو 248 ألف ساكن، وتشمل تحسين أداء 74 منظومة، وإعادة تشغيل 38 منظومة متوقفة، وحفر 6 آبار عميقة في ولايات الوسط والجنوب، وتعويض 10 آبار في مناطق متعددة، إضافة إلى توفير 20 شاحنة مجهزة بصهاريج للمناطق الجبلية الوعرة.
أما المسار الطويل فيبدأ من استراتيجية 2050. الخطة تقوم على أربعة محاور، وتضم 43 برنامجاً و1200 إجراء. الجزء الأكبر من التمويل سيذهب إلى المياه غير التقليدية، وهي موارد لا تأتي من المصادر المعتادة مثل السدود والآبار، بل من معالجة مياه الصرف، والتحلية، وتجميع مياه الأمطار، واستخدام تقنيات تقلل التبخر وتحسن الإدارة.
لماذا يهمنا هذا؟
ما يحدث في تونس ليس بعيداً عن مصر. الفكرة الأساسية واحدة في المنطقة: ندرة المياه لم تعد أزمة موسمية، بل ضغط دائم على المدن والقرى والزراعة. حين تتحول دولة قريبة جغرافياً ومناخياً إلى العدادات الذكية، والمنصات الرقمية، والمياه المعالجة، فهذا يعكس اتجاهاً إقليمياً نحو إدارة أدق لكل متر مكعب.
الخطة تحمل أيضاً درساً اقتصادياً. الطاقة كانت تمثل 27% من كلفة إنتاج وتوزيع المياه في 2025، وتستهدف تونس خفضها إلى 17% بحلول 2030 عبر محطات طاقة شمسية وشبكات ذكية. تقليل كلفة ضخ المياه لا يعني فقط تخفيف العبء على الدولة، بل يزيد فرصة استمرار الخدمة في المناطق الأضعف والأبعد.

الأكثر حساسية هو ربط الماء بالغذاء. الزراعة تستهلك تقليدياً أكبر حصة من الموارد المائية، ولذلك تتجه الخطة إلى استعمال المياه المعالجة في الفلاحة وتحسين شبكات الري. هذا النوع من القرارات قد يحدد شكل الإنتاج الزراعي، وأسعار الغذاء، وقدرة القرى على البقاء اقتصادياً خلال موجات الحر والجفاف.
الخطوة التالية
المؤكد أن الفترة 2026-2030 ستكون مرحلة تشغيل واختبار. خلال هذه السنوات ستتواصل مشاريع البنية التحتية للمياه والري، وسيتم نقل التصرف تدريجياً في المنظومات المائية الريفية إلى الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، مع اعتماد العدادات الذكية ومنظومات الكشف المبكر عن التسربات.
كما تقرر إلزام الباعثين العقاريين بإنجاز خزانات لتجميع مياه الأمطار في المباني الجديدة ضمن برنامج وطني لتجميع الأمطار. وتعمل الحكومة أيضاً على منصات رقمية لتراخيص استغلال الملك العمومي للمياه، بما يستهدف تقليل الحفر العشوائي وتبسيط الإجراءات أمام طالبي التراخيص.
أسئلة سريعة
ما حجم استثمارات خطة المياه في تونس؟
تقدر الاستثمارات بنحو 74.5 مليار دينار ضمن استراتيجية تمتد إلى أفق 2050، وتشمل 43 برنامجاً و1200 إجراء.
ما المقصود بالمياه غير التقليدية؟
هي مصادر بديلة للمياه المعتادة، مثل المياه المعالجة والتحلية وتجميع مياه الأمطار، وتستهدف الخطة توجيه 53% من الاستثمارات إليها.
كم مشروعاً عاجلاً أقرته تونس لصيف 2026؟
يشمل البرنامج العاجل 81 مشروعاً، منها 35 مشروعاً متواصلاً، مع حفر آبار وصيانة محطات ضخ وتجديد شبكات.
من سيستفيد من المنظومات المائية الجديدة؟
تستهدف الحكومة تسريع إنجاز 187 منظومة مائية لفائدة نحو 248 ألف ساكن، خصوصاً في المناطق التي تحتاج إلى تحسين أو إعادة تشغيل خدمات المياه.
كيف ستدخل الطاقة الشمسية في قطاع المياه؟
تستهدف الخطة إنتاج 225 ميغاواط من الطاقة الشمسية لتشغيل محطات الضخ والبنية التحتية، وخفض كلفة الطاقة في إنتاج وتوزيع المياه إلى 17% بحلول 2030.
هل الخطة مرتبطة بمياه الشرب فقط؟
لا. الخطة تشمل ماء الشرب ومياه الري وتحسين الشبكات واستعمال المياه المعالجة في الفلاحة وحصاد مياه الأمطار.
المصادر
المصادر والمراجع المذكورة في هذا المقال.
