أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الاثنين، استقالته رسمياً من منصبه ومن زعامة حزب العمال الحاكم إثر انقسامات حادة وضغوط شديدة من كتلته البرلمانية، لتدخل المملكة المتحدة مرحلة جديدة من الغموض السياسي وتبدأ عملية اختيار سابع رئيس وزراء للبلاد خلال عشر سنوات فقط. وجاء هذا القرار المفاجئ عقب تراجع حاد في شعبية ستارمر وهزيمة ساحقة للحزب في الانتخابات المحلية الماضية، مما دفع ربع نواب حزبه للمطالبة برحيله الفوري لحماية مستقبل الحزب السياسي.

تفاصيل السقوط والدراما السياسية في داونينغ ستريت
بدأت فصول الأزمة تتسارع عقب الانتخابات المحلية في مايو الماضي التي شهدت تراجعاً كبيراً لحزب العمال، لكن القشة التي قصمت ظهر الاستقرار السياسي لستارمر كانت عودة منافسه القوي، عمدة مانشستر الكبرى آندي بيرنهام (المعروف بـ بورنِم)، إلى مقاعد البرلمان بعد فوزه في انتخابات فرعية برلمانية في دائرة مايكرفيلد؛ حيث هزم مرشح حزب ريفورم يو كاي اليميني المتشدد. وأيقن نواب حزب العمال أن ستارمر لم يعد قادراً على مواجهة الصعود المخيف لليمين المتطرف بقيادة نايجل فاراج الذي يكتسح استطلاعات الرأي الوطنية.
وفي كلمة وجهها من أمام مقر رئاسة الوزراء في 10 داونينغ ستريت، أكد ستارمر أنه تحدث مع الملك تشارلز الثالث لإبلاغه بالقرار، مشيراً إلى أنه يتقبل النتيجة بروح رياضية بعدما استمع إلى موقف كتلته البرلمانية التي لم تعد تراه الشخص الأنسب لقيادة المرحلة المقبلة. ودافع ستارمر عن حقبته القصيرة التي بدأت بفوز ساحق عام 2024، لافتاً إلى أن حكومته نجحت في تحقيق أسرع انخفاض في قوائم انتظار هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) منذ 17 عاماً، وأكبر تحسن في حقوق العمال والمستأجرين منذ جيل.

وفي لفتة إنسانية لتقليل وطأة التراجع السياسي، صرح ستارمر قائلاً:
وعندما أترك أعلى منصب في البلاد، سأُكرّس المزيد من الوقت لأهم وظيفة في حياتي، وهي أن أكون أفضل زوجٍ لزوجتي الرائعة، فيك، التي كانت سندي وعوني في السراء والضراء، وأن أكون أفضل أبٍ لأبنائي الأعزاء.
أبرز الشخصيات في المشهد الراهن
تتمحور أزمة الحكم الحالية حول عدة أسماء بارزة صاغت هذا التحول التاريخي:
- كير ستارمر: رئيس الوزراء المستقيل الذي قاد الحزب لانتصار عريض في 2024، لكنه عانى من تدني شعبيته وسلسلة من الأخطاء السياسية الداخية.
- آندي بيرنهام (بورنِم): عمدة مانشستر الكبرى الملقب بـ "ملك الشمال"، البالغ من العمر 56 عاماً، والذي أعلن رسمياً ترشحه لخلافة ستارمر ويُعد المرشح الأوفر حظاً بدعم من أجنحة الحزب المختلفة.
- ويس ستريتينغ: وزير الصحة السابق ومنافس محتمل تراجع خطوة إلى الوراء معلناً تأييده الكامل لبيرنهام لتسهيل انتقال سلس للسلطة دون صراعات.
- نايجل فاراج: زعيم حزب "ريفورم يو كاي" اليميني المتشدد الذي سارع فور إعلان الاستقالة للمطالبة بإجراء انتخابات عامة مبكرة في البلاد.
- القط لاري: كبير صائدي الفئران في مقر الحكومة منذ عام 2011 والبالغ من العمر 19 عاماً، والذي بات يوصف بالناجي الدائم والوجه الأكثر استقراراً؛ حيث يستعد لاستقبال سابع رئيس وزراء عاصر حقبته.
البيانات الاقتصادية ورد فعل الأسواق المالي
لم تمر الأزمة السياسية دون أن تترك أثراً طفيفاً على المؤشرات المالية البريطانية والعالمية، وإن كانت ردود الفعل محدودة نتيجة توقع المستثمرين لهذا السيناريو مسبقاً:
- سجل الجنيه الإسترليني تراجعاً بنسبة 0.25% أمام الدولار الأمريكي ليصل إلى مستوى 1.3201 دولار.
- انخفض مؤشر "فوتسي 100" البريطاني بشكل طفيف بنسبة 0.03%، بينما هبط مؤشر "داكس" الألماني بنسبة 0.27% ومؤشر "كاك 40" الفرنسي بنسبة 0.42%.
- أشارت شركة "جيفريز" المالية إلى تجنب السندات طويلة الأجل البريطانية تحسباً لخطط بيرنهام الذي يعتزم استبدال وزيرة المال رايتشل ريفز، وسط مخاوف من غياب مصداقية العجز والاقتراض ما لم يتم تعيين شخصية اقتصادية موثوقة.

ماذا تعني هذه الاستقالة وما المتوقع القادم؟
تعكس استقالة ستارمر أزمة أعمق تتعلق بآليات اختيار القيادات داخل الأحزاب البريطانية، وهو ما تناولته الصحف اللندنية مثل "التلغراف" التي رأت أن منح الأعضاء العاديين دوراً أوسع أضعف جودة الاختيار مقارنة بالنظام القديم. وبالنسبة للمواطنين أو المهتمين بالشأن الاقتصادي، فإن صعود بيرنهام ذو الميول اليسارية قد يعيد صياغة السياسات الاقتصادية؛ إذ يتبنى فلسفة "المانشسترية" التي تمنح الأولوية للمجتمعات المحلية والتعليم المهني وخفض فواتير الطاقة والخدمات بعيداً عن مركزية لندن الشديدة التي يرفضها أهالي الشمال.
ومن المقرر أن يفتح حزب العمال باب الترشيحات رسمياً في 9 يوليو المقبل على أن تغلق في 16 يوليو، بهدف حسم هوية الزعيم الجديد ورئيس الوزراء المقبل قبل عودة البرلمان من عطلته الصيفية في سبتمبر المقبل، وسيبقى ستارمر في منصبه مؤقتاً لتسيير الأعمال وضمان انتقال منظم ومسؤول للسلطة.
أسئلة شائعة يطرحها القراء
متى سيغادر كير ستارمر منصبه بشكل نهائي؟
سيبقى كير ستارمر في منصبه الحالي لتسيير الأعمال بصفة مؤقتة حتى يتم انتخاب رئيس جديد لحزب العمال في شهر سبتمبر المقبل لضمان انتقال سلس ومنظم للسلطة.
من هو المرشح الأقرب لخلافة ستارمر في رئاسة حكومة بريطانيا؟
يعد آندي بيرنهام، عمدة مانشستر الكبرى والقيادي البارز في حزب العمال، هو المرشح الأوفر حظاً ودون منافسة تذكر، خاصة بعدما أعلن منافسه القوي ويس ستريتينغ عن تأييده الكامل له.
ما هي المواعيد الرسمية لاختيار رئيس الوزراء البريطاني الجديد؟
أعلن ستارمر أنه سيطلب فتح باب الترشيحات داخل الحزب في 9 يوليو وتغلق في 16 يوليو قبل العطلة الصيفية، ليتم الإعلان عن القائد الجديد قبل اجتماعات البرلمان في سبتمبر.
كيف أثرت استقالة رئيس الوزراء على الاقتصاد والعملة البريطانية؟
تراجع الجنيه الإسترليني بشكل طفيف بنسبة 0.25% أمام الدولار، كما سجلت الأسهم في مؤشر فوتسي 100 هبوطاً هامشياً بنسبة 0.03%، حيث كانت الأسواق قد استوعبت وسعرت التغيير السياسي مسبقاً.
المصادر
المصادر والمراجع المذكورة في هذا المقال.
