الترام الأزرق يغيب عن الإسكندرية.. والمدينة تسأل عن ذاكرتها
آخر تحديث: 9 يونيو 2026
في محطة الرمل، لم يعد صوت الجرس الأزرق والأبيض يقطع زحمة الصباح كما اعتاد السكندريون. القضبان التي كانت تقود آلاف الرحلات اليومية دخلت مرحلة توقف مؤقت مع مشروع تطوير شامل، بينما تحولت صور الوداع إلى مساحة عاطفية مفتوحة بين الحنين والخوف من ضياع هوية المدينة. القضية لم تعد مجرد وسيلة مواصلات تتغير، بل سؤال أكبر عن حدود التطوير حين يقترب من ذاكرة عمرها أكثر من قرن ونصف. وبين بيان رسمي يتحدث عن التوازن بين التراث والمستقبل، ومطالب حقوقية وقضائية بوقف الإزالة، يقف ترام الإسكندرية في منتصف الطريق بين مشروع نقل حديث وحكاية مدينة كاملة.

كيف بدأت الحكاية تتغير؟
بدأت الأزمة مع توقف عربات ترام الإسكندرية مؤقتًا بعد إعلان محافظة الإسكندرية تنفيذ مشروع تطوير شامل للترام. هذا التوقف فتح بابًا واسعًا للمشاعر المتضاربة: هناك من رأى في التحديث ضرورة لتحسين خدمة قديمة، وهناك من شعر بأن المدينة تفقد واحدًا من رموزها اليومية.
المصور المصري هشام نظير وثق لحظات الوداع بعدسته، ونشر صورًا للعربات التي عرفها سكان الإسكندرية في شوارع ومحطات مثل محطة الرمل وسبورتنج والجامعة وسان ستيفانو. في شهادته، قال إن الترام بالنسبة لأبناء المدينة يحمل مكانة قريبة من قيمة البحر الأبيض المتوسط، لأنه لم يكن مجرد انتقال من نقطة إلى أخرى، بل جزء من الذاكرة الشخصية والجماعية.
أنا أحب التصوير بشكل عام، وأحب توثيق مدينتي الإسكندرية بشكل خاص، بالنسبة لنا يتمتع الترام بمكانة مهمة في الإسكندرية، مثل قيمة البحر الأبيض المتوسط
على الجانب الخدمي، تقول الهيئة القومية للأنفاق إن مشروع إعادة تأهيل ترام الرمل يستهدف تحويل الخط إلى وسيلة نقل جماعي حديثة وسريعة وآمنة وصديقة للبيئة. ويمتد الخط بطول 13.2 كيلومترًا بين محطتي فيكتوريا والرمل، مع 24 محطة وتشغيل 30 ترامًا جديدًا بعد انتهاء التطوير، بحسب التفاصيل المنشورة عن المشروع في تصريحات هيئة الأنفاق.
ما وراء القضبان
خلف هذا المشهد العاطفي توجد معادلة صعبة: مدينة مزدحمة تحتاج إلى نقل أسرع، وذاكرة عمرانية تخشى أن يتحول التطوير إلى محو. الأرقام الحكومية المطروحة تشرح جانبًا من دوافع المشروع؛ زمن الرحلة المستهدف ينخفض من نحو 60 دقيقة إلى 30 دقيقة، وزمن التقاطر من 10 دقائق إلى 3 دقائق، مع رفع الطاقة الاستيعابية من نحو 4700 راكب في الساعة لكل اتجاه إلى 13800 راكب.

الشركة المنفذة أوضحت أن تقليل عدد المحطات ليس إلغاءً عشوائيًا، بل إعادة توزيع هندسي للمسار. وفق ما نشرته تفاصيل التخطيط الجديد، كانت بعض المسافات القديمة بين المحطات تصل إلى 200 متر، وهو ما يمنع الترام من الوصول إلى سرعته المثلى ويؤدي إلى تراكم العربات وتأخرها.
لكن الاعتراضات لا تنحصر في عدد المحطات. سبع منظمات حقوقية طالبت بوقف أعمال الإزالة والتفكيك لحين مراجعة شاملة وفتح حوار مجتمعي، معتبرة أن ما يحدث يهدد التراث العمراني ويؤثر على حقوق المستخدمين والعاملين. وذكرت هذه المنظمات أن الترام كان يخدم نحو 80 ألف راكب يوميًا قبل بدء أعمال التطوير، وهو رقم يوضح لماذا تحولت القضية من مشروع نقل إلى شأن يومي يمس الطلاب وكبار السن ومحدودي الدخل.
أصوات ومواقف
بيان محافظة الإسكندرية قدم دفاعًا واضحًا عن فلسفة المشروع، إذ أكد أن الحفاظ على هوية المدن لا يعني تجميدها، بل تطويرها بشكل متوازن يحمي التراث ويواكب متطلبات الحاضر والمستقبل. هذه الجملة تلخص موقفًا رسميًا يرى أن الأصالة لا تتعارض مع التحديث.
هشام نظير يرى زاوية أخرى: التحديث مقبول، لكن بشرط ألا يكسر علاقة المدينة بمحطاتها. قال إن بعض الجوانب تحتاج إلى إعادة نظر، خاصة ما يتعلق بالمحطات التاريخية التي تحمل ذاكرة كل منطقة.
نحن نريد الإسكندرية كما هي، مع ترميم وتجديد المحطات وليس هدمها. هذا التطوير الذي نتمناه
على المسار القضائي، استأنفت محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية نظر دعوى تطالب بوقف مشروع تطوير ترام الرمل، واختصمت رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري لتقديم مذكرة فنية بشأن قرار مجلس الوزراء الخاص بالمشروع. الدعوى تركز على قانونية إجراءات الهدم وتغيير الهوية البصرية للمدينة، بحسب ما ورد في تفاصيل نظر الدعوى.
الصورة الأكبر للمدينة والناس
بالنسبة لسكان الإسكندرية، المسألة تمس تفاصيل صغيرة لكنها مؤثرة: رحلة مدرسة، مشوار جامعة، طريق عمل، أو مقعد بجوار نافذة مفتوحة على شارع أبو قير. حين تختفي وسيلة منخفضة التكلفة ومألوفة، ينتقل الضغط إلى الحافلات وسيارات الأجرة، ومعه يزيد وقت الرحلة وتكلفتها اليومية.

المنظمات الحقوقية تحدثت عن شكاوى من زيادة زمن التنقل والاعتماد على وسائل بديلة مزدحمة، وعن مخاوف تخص الفتيات والنساء في رحلات يومية أكثر صعوبة. كما أشارت إلى قطع أشجار على امتداد المسار في أحياء عدة، وإلى حالة عدم يقين بين العاملين في منظومة الترام بشأن أوضاعهم الوظيفية ومستحقاتهم.
في المقابل، تراهن خطة التطوير على نتيجة مختلفة بعد اكتمال المشروع: خدمة أسرع، عربات جديدة، إشارات وتحكم أحدث، وربط مع وسائل نقل أخرى مثل مترو أبو قير في فيكتوريا وسيدي جابر. الفارق هنا أن الفائدة الموعودة مستقبلية، بينما تكلفة الغياب تُدفع الآن في الشارع.
ماذا ينتظر ترام الرمل؟
المؤكد أن مشروع التطوير قائم ضمن خطة تمتد حتى عام 2027، وأن الخط المخطط له سيعمل بعربات جديدة ومحطات معاد توزيعها. كما أكدت الهيئة القومية للأنفاق أن تسعير التذاكر بعد التطوير لن يحمل المواطنين أعباء إضافية، وأن النظام سيكون مرنًا حسب عدد المحطات التي يقطعها الراكب، مثل ما يحدث في مترو الأنفاق.
المؤكد أيضًا أن الاعتراضات لم تنته. هناك مطالب بوقف الإزالة، ومراجعة المشروع، وحماية المحطات التاريخية والأشجار، وضمان حقوق العمال، وفتح حوار مجتمعي. لذلك ستظل قضية ترام الإسكندرية معلقة بين سؤالين واضحين: كيف تصبح الخدمة أسرع وأكفأ؟ وكيف تبقى الإسكندرية محتفظة بروحها وهي تتحرك نحو نسخة جديدة من النقل الحضري؟
أسئلة شائعة
لماذا توقف ترام الإسكندرية؟
توقف ترام الإسكندرية مؤقتًا ضمن مشروع تطوير شامل يستهدف إعادة تأهيل المسار وتحديث العربات والإشارات والمحطات.
كم يبلغ طول مشروع ترام الرمل بعد التطوير؟
يمتد الخط بطول 13.2 كيلومترًا بين محطتي فيكتوريا والرمل، ويضم 24 محطة وفق البيانات المنشورة عن المشروع.
هل سترتفع أسعار تذاكر ترام الرمل؟
الهيئة القومية للأنفاق قالت إن التسعير لن يحمل المواطنين أعباء إضافية، وسيعتمد على عدد المحطات التي يقطعها الراكب.
ما سبب الجدل حول محطات الترام؟
الجدل مرتبط بمخاوف من هدم أو إزالة محطات ومنشآت تاريخية، إلى جانب تقليل عدد المحطات وإعادة توزيعها هندسيًا.
كم كان عدد ركاب الترام يوميًا؟
بحسب بيان المنظمات الحقوقية، كان ترام الإسكندرية يخدم نحو 80 ألف راكب يوميًا قبل بدء أعمال التطوير.
متى ينتهي مشروع تطوير ترام الرمل؟
تتحدث المصادر عن استمرار أعمال التطوير حتى عام 2027 ضمن مشروع ممول من مؤسسات دولية وبمشاركة حكومية.
المصادر
المصادر والمراجع المذكورة في هذا المقال.

